غزة/ آية عبد العال:
لم تنتهِ مأساة آلاف العائلات في قطاع غزة عند فقدان أبنائها خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تحولت رحلة الحزن إلى انتظار طويل لاستعادة جثامين الشهداء العالقة تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة.
تعرف كثير من الأسر أن أبناءها ما زالوا تحت الركام، لكنها تقف عاجزة أمام حجم الدمار ونقص المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات الانتشال، لتبقى أمنيتها الوحيدة أن تصل إلى جثامينهم وتمنحهم حقهم الأخير في الدفن.
وبإمكانات محدودة، تواصل طواقم الدفاع المدني محاولاتها للوصول إلى الجثامين المنتشرة تحت الأنقاض في مختلف مناطق القطاع، فيما لا تزال آلاف العائلات تنتظر لحظة استعادة أبنائها ومواراتهم الثرى.
وأعادت عملية انتشال جثامين 112 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة بمدينة غزة، بعد بقائهم تحت الركام منذ استهداف مربع سكني للعائلتين في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تسليط الضوء على معاناة الأسر التي ما زالت تبحث عن جثامين أحبائها.
انتظار لا ينتهي
يستعيد يوسف أبو شريعة، أحد الناجين من المجزرة، اللحظات الأخيرة قبل استهداف المنزل الذي لجأت إليه عشرات العائلات، موضحاً أن أفراد العائلة اضطروا للتنقل بين ثلاثة منازل بحثاً عن مكان أكثر أمناً.
ويقول لـ"الاستقلال": "اعتقدنا أن المنزل الأخير سيكون أكثر أماناً، لكن الطائرات استهدفته بأحزمة نارية عنيفة بعدما تجمع فيه أفراد من عائلتي أبو شريعة والحساينة، ما أدى إلى استشهاد أعداد كبيرة منهم".
ويضيف "أن شدة القصف ودمار المكان حالا دون الوصول إلى جميع الضحايا"، مشيراً إلى أن بعض الشهداء ظلوا تحت الركام لأشهر طويلة قبل أن تتمكن الطواقم من انتشالهم.
أما مختار عائلة أبو شريعة، جدوع أبو شريعة، فيصف فترة الانتظار بأنها من أصعب المراحل التي عاشتها العائلة، موضحاً أن مطلبهم الوحيد كان الوصول إلى جثامين أبنائهم ودفنهم.
ويقول لـ" الاستقلال": "انتظرنا هذا اليوم طويلاً، لم نكن نبحث عن شيء سوى أن نودع أبناءنا ونمنحهم حقهم في الدفن بعد أن بقوا تحت الركام كل هذه المدة".
ولا تقتصر هذه المعاناة على عائلتي أبو شريعة والحساينة، إذ تعيش عائلات أخرى في مختلف محافظات القطاع الظروف ذاتها، حيث تدرك أن أبناءها استشهدوا تحت الأنقاض، لكنها لا تملك القدرة على الوصول إليهم.
في خان يونس، يعيش محمد شراب تجربة مشابهة، إذ يوضح أن 12 فرداً من عائلته بقوا تحت ركام منزلهم منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، ولم تتمكن الأسرة سوى من دفن خمسة منهم، فيما لا يزال مصير الآخرين معلقاً حتى اليوم.
ويقول إن الجثامين التي جرى انتشالها كانت قد تعرضت للتحلل، بينما منع حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى المكان انتشال بقية الشهداء، لتستمر معاناة العائلة في البحث عنهم وانتظار دفنهم.
معركة تحت الركام
ويؤكد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، أن ملف انتشال الجثامين العالقة تحت الأنقاض أصبح من أكثر المهام تعقيداً منذ بداية الحرب، مشيراً إلى أن أكثر من 8000 جثمان لا تزال تحت ركام المباني المدمرة في مختلف مناطق القطاع.
ويوضح بصل لـ" الاستقلال" أن طواقم الدفاع المدني تتلقى يومياً مناشدات من عائلات تطالب بالوصول إلى ذويها، لافتاً إلى أن انتشال جثامين عائلتي أبو شريعة والحساينة أعاد تسليط الضوء على معاناة آلاف الأسر المنتظرة.
ويشير بصل إلى أن نقص المعدات الثقيلة والآليات المتخصصة يمثل العائق الأكبر أمام فرق الإنقاذ، موضحاً أن القيود المفروضة على إدخال هذه المعدات قللت قدرة الطواقم على التعامل مع حجم الدمار الهائل.
وبيّن أن عمليات الانتشال الحالية تنفذ ضمن مشروع بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يعتمد على ساعات محددة لتشغيل الآليات الثقيلة، موضحاً أن عملية انتشال شهداء عائلتي أبو شريعة والحساينة استغرقت 136 ساعة عمل خلال 17 يوماً متواصلة.
ولا تنتهي التحديات عند الوصول إلى الجثامين، إذ تواجه الطواقم صعوبة في تحديد هويات الشهداء بعد بقائهم فترات طويلة تحت الأنقاض، ما يدفعها للاعتماد على الملابس والمقتنيات الشخصية والعلامات المميزة، في ظل غياب مختبرات فحص الحمض النووي (DNA).
ويحذر بصل من أن استمرار العمل بالإمكانات الحالية قد يطيل عمليات الانتشال لسنوات، داعياً إلى توفير المعدات اللازمة وتمكين فرق الدفاع المدني من أداء مهمتها.
حق مؤجل في الوداع
تحرم مأساة الجثامين العالقة تحت الركام آلاف العائلات في غزة من حق إنساني أساسي؛ وهو وداع أحبائها ودفنهم بكرامة.
وبينما تمكنت بعض الأسر من استعادة جثامين أبنائها بعد أشهر طويلة من الانتظار، لا تزال عائلات أخرى معلقة بين الأمل والفقد، تنتظر لحظة الوصول إلى ذويها وإنهاء رحلة البحث التي فرضتها الحرب والدمار.
قبور مؤجلة تحت الأنقاض.. آلاف الأسر في غزة تنتظر لحظة الوداع
تقارير وحوارات


التعليقات : 0